الشيخ محمد رشيد رضا

357

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لأنفسهم عبارة عن تركهم العمل بالحق خوفا من الأذى وفقد الكرامة عند عشرائهم المبطلين . وهذا الاعتذار هو نحو مما يعتذر به الذين جاروا أهل البدع على بدعهم في هذا العصر وفي كثير من الاعصار ، يعتذرون بأنهم يحبّون الغيبة عن أنفسهم ويدارون المبطلين ، وهو عذر باطل ، فالواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل اللّه أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم ، وللفقهاء خلاف في الهجرة هل وجوبها مضى أو هو مستمر في كل زمان ؟ والمالكية على الوجوب ( قال ) ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه ، أو يؤذى فيه ايذاء لا يقدر على احتماله . وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع ولا يؤذى إذا هو عمل بدينه بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه ان يهاجر وذلك كالمسلمين في بلاد الانكليز لهذا العهد بل ربما كانت الإقامة في دار الكفر سببا لظهور محاسن الاسلام واقبال الناس عليه اه ( أي إذا كان المسلمون المقيمون هنالك على حريتهم يعرفون حقيقة الاسلام ويبينونها للناس بالقول والعمل والاخلاق والآداب ) * * * قال تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى اللّه ورسوله غير صادقين في اعتذارهم فان الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك استثنى أهله من الوعيد بهذه الآية ، وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر بأن المراد بالرجال الشيوخ الضعفاء والعجزة الذين هم كمن ذكر معهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أي قد ضاقت بهم الحيل كلها فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها ، وعميت عليهم الطرق جميعها فلم يهتدوا طريقا منها ، إما للزمانة والمرض ، واما للفقر والجهل بمسالك الأرض وأخراتها ومضايقها ، قال بعض المفسرين « بحيث لو خرجوا هلكوا » أي بركوب التعاسيف أو قلة الزاد أو عدم الراحلة . وفسر بعضهم الولدان هنا بالعبيد والإماء ، وقال بعضهم بل هم الأولاد الصغار الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض وروي عن ابن عباس أنه قال كنت